الفكر الكربلائي

شخصيات الثورة الحسينية

مُحَاضَرَاتٌ مِنْ وَحْيِ عَاشُوْرَاء

 

شخصيات الثورة الحسينية

 

عندما يريد الباحث أن يصل إلى النتائج المرجوة من خلال بحثه في أية قضية أو حادثة تتألف من طرفين فأكثر فعليه أن يكشف عن خصائص الطرفين وصفاتهم ومزاياهم العامة والخاصة لأن تناول هذه الأمور ووضعَها على طاولة البحث والتشريح يساعد كثيراً في عملية الكشف عن الحقائق وإثبات الحق وإبطال الباطل بشكل أيسر وأسرع.

وعلى سبيل المثال فإن ثورة كربلاء تتألف من طرفين، أحدهما على الحق، وثانيهما على الباطل، ولا يوجد اشتراك بينهما فيما يخص كل واحد منهما، فالطرف الحسيني على الحق المطلق، والطرف اليزيدي على الباطل المطلق، فلا يجدر بالباحث مهما كان انتماؤه بعيداً عن واقع بحثه أن يتناول الحديث عن فئة ويهمله في الأخرى لأن ذلك ضربٌ من ضروب النقص والخلل في المقدمات، والكشف عن كلا خصائص الطرفين عبر الطرق المعتبرة في البحث يوصل إلى الفكرة بشكل أفضل، فبيان قبح السلوك في الطرف اليزيدي يكشف عن نقاء ونزاهة الطرف الحسيني الذي يقابل هذا الطرف، وهذه ليست قاعدة عامة أو ليست ميزاناً عاماً فإنه في الحالات العادية لا يكشف قبح الأول حسن الثاني، أما في خصوص معركة كربلاء فيجري هذا الحكم حيث كان فيها طرفان لا ثالث لهما حقٌ وباطل، فمن ثبت أنه على الحق ثبت أن الآخر على الباطل.

إذاً إن أبطال وشخصيات هذه الحادثة طرفان، وكل طرف يتألف من أفراد بغض النظر عن الرتبة والمهمة والمسؤولية التي يحملها كل فرد، ولكل فرد مزاياه الخاصة به وصفاته التي يُعرف بها، والتي تكشف عما في ضميره وتُظهره على حقيقته.

نبدأ الكلام بوصف موجز لشخصيات الطرف اليزيدي الموصوفة بالإجرام والمنعوتة بالظلم والمعروفة بسوء السريرة وقبح السلوك.

فرأس الهرم في هذا الطرف هو يزيد بن معاوية الذي كان سوء سلوكه وانحطاط أخلاقه وتدنّي نفسيته شائعاً بين الأوساط، حتى أن أتباعه اتبعوه خوفاً منه تارة وطمعاً بإمكانياته تارة أخرى، ولا شك بانه كان يدرك هذه الحقيقة لأنه أعرف الناس بنفسه المشؤومة وأجهل الناس بنفسه الزكية أو بتعبير آخر بقوى النفس الزكية الموجودة فيه والتي تجاهلها، وربما كان هذا الأمر يشكّل له عقدة نفسية هي التي دفعت به إلى استعمال العنف من أجل أن يفرض سيطرته على البلاد والعباد.

وأول خطيئة ارتكبها هي غصب الخلافة واعتلاء عرشها الذي كان وما زال بعيد المسافة عن ساحته، فنصّب نفسه خليفة على المسلمين وهو إنسان كافر باعترافه وذلك عندما تغنى بقوله الشهير: لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل:

وفي الواقع إن مساوئ يزيد كثيرة جداً لا يكفي المجال لبيانها لأن حياته كانت مليئة بالأخطاء المتعمَّدة والأخلاق الوضيعة والسلوكيات القبيحة، وتاريخه يشهد عليه، ومهما حاول البعض أن يخفي الأحداث ويزور الحقائق فإن مصير الحق أن يظهر جلياً وإن طال الزمن.

لقد افعتل يزيد بالمسلمين العديد من المجازر الجماعية والفردية، وأقبح المجازر مجزرة كربلاء التي لا ننظر إليها من حيث عدد القتلى والشهداء بل من حيث المجنيِّ عليه في تلك البقعة حيث كان الواحد من الطرف الحسيني بمثابة أمة بكاملها، هذا بالإضافة إلى أن يد الغدر قد طالت ابن بنت رسول الله وريحانته وسيد شباب أهل الجنة والإمام المفروض الطاعة والخليفة الشرعي.

وقد ارتكب يزيد مجزرة أخرى لم تقتصر على قطع الرؤوس فحسب بل إنها طالت أعراض المسلمين وذلك عندما انتهك حرمة النساء المسلمات حيث أباح نساء المدينة ثلاثة أيام لرجاله مكافأة لهم على تنفيذهم لجرائمه.

أيها الأخوة والأخوات..

في ذكرى عاشوراء ينبغي علينا أن ندرس كل جوانبها مع مراعاة الأهم ثم المهم، ونحن نرى أن أهم تلك الجوانب هو دراسة شخصية وتاريخ وسلوك صاحب الذكرى(ع).

ورأيي في موضوع عاشوراء هو أن جميع أحداثها بمستوى واحد وبعَرْض واحد من الأهمية سواء كانت تلك الأحداث مقدمة للثورة أو جزءاً من تنفيذها أو كانت متممة لها، وهذه الثورة عبارة عن هيكل تام مؤلَّفٍ من مجموعة أحداث متفاوِتةٍ في المكان والزمان، كثير من الناس يظنون بأن الثورة بدأت صبيحة العاشر من محرم وانتهت بعد ظهر ذلك اليوم، وهذا أكبر خطأ يمكن أن يُرتكب في حق الثورة وقائدها وجميع روادها.

ولكي يسهل علينا إدراك المراد ينبغي الفصل بين الأحداث القريبة للمعركة والمباشِرة لها وبين الأحداث البعيدة التي يعود تاريخها إلى ما قبل خمسين سنةً من قيام الثورة الفعلية.

لقد بدأت الثورة الفعلية في المدينة المنورة في عهد سلطنة يزيد في الثلث الأول من سنة ستين للهجرة وذلك عندما خُيّر الحسين فيها من قِبل يزيد بين المبايعة أو الموت، فالموت أمر طبيعي عند الإمام الحسين وغيره من العقلاء، ولكن المبايعة ليزيد هي الموت الخارق للعادة والخارج عن حدود الطبيعة بل هو الموت الأحمر بعينه لأنه لا يقتصر على موت الجسد كالموت الطبيعي بل إنه يقتل معه الأرواح والنفوس والقيم والمبادئ والعقائد وكل رسالات السماء ويقضي على التاريخ الرسالي الممتد من عهد آدم وإلى عصر آخر الأنبياء.

وأمام هذين الخيارين اللذين كان أحلاهما مراً صنع الحسين(ع) خياراً ثالثاً حكيماً وجريئاً وعادلاً ومنطقياً وهو الخروج من معقِل الحكم اليزيدي المتغطرس والظالم، ولكنه لم يكن خروج هروب، ولا خروجاً عشوائياً، ولا هروباً من المسؤولية ولا إهمالاً للواجب بل تم ذلك عن دراسة محكَمة لجميع الإحتمالات التي كان المنطق العسكري هو الحاكم فيها.

وأمام هذا الواقع الحساس ومن موقع المسؤولية الشرعية وانطلاقاً من الشعور بالواجب الديني أوجِّه نصيحة دينية وأخوية إلى كل محاضر وخطيب وقارئ عزاء أن يعطوا اهتماماً بالغاً لهذه القضايا الهامة ويركزوا على تلك التفاصيل الدقيقة التي تُولِّد داخل القلب معتقَداً سليماً يضمن به الإنسان مصيره الأخروي.

إن الميزان الذي يجب أن نتعاطى به مع أحداث هذه الثورة يختلف عن الموازين في القضايا الأخرى، ففي غيرها نقدِّم شيئاً على شيء أو نلغي أمراً مقابل أمر، ولكن في أحداث ثورة الحسين لا يُلغى شيءٌ بشيء، ولا يُقدَّم أمر على أمر لأن اكتمال هذه الثورة قد تمّ بتلك الأحداث مجتمعةً، فلو ألغينا من قاموسها شيئاً وإن كان بسيطاً أو صغيراً فقد أحدثنا خللاً واضحاً في هيكلها الكامل والمتكامل.

هناك أمر واحد ينبغي أن يُقدَّم على غيره في مجال تلك الثورة، وهو بيان شخصية قائدها العظيم الذي استمدت ثورته تلك الهيبة من هيبته وتلك العظمة من بعض عظمته وتلك الروحية من نقاء روحه وصفاء قلبه ونورانية عقله.

فمهما خُضنا في البحوث التي تتعلق بثورة كربلاء، ومهما أحطنا بأدق تفاصيلها فسوف تبقى تلك البحوث بتراء ومن دون أية فائدة، وسوف نبقى في خانة الجهل ما لم نكن عارفين ببعض مزايا أبي عبد الله الحسين(ع).

لقد وجّهنا كل همنا ووطّنا أكثر إمكانياتنا وصرفنا الكثير من الوقت في بيان جانب واحد من جوانب تلك الواقعة فسلطنا الضوء الساطع على ساعات قليلة من حياة قائد الثورة وفرضنا التعتيم على تاريخ طويل صُنع في مدة خمسة وخمسين عاماً على يد قائد الثورة.

الكل بات يعرف الحسين المجاهد والحسين المظلوم والحسين المغدور به والحسين المنكوب والحسين الغريب، ولكن القليلين منا عرفوا الحسين الإنسان والحسين المعصوم والحسين الخليفة والحسين الزاهد والعابد والمعلِّم والموجّه والناصح.

لقد استطعنا أن نغزو كل بقاع الأرض ونقتحم كل المجتمعات على الصعيد الفكري والعقائدي والإنساني بسلاحٍ حسيني لا يشكّل في الواقع واحداً بالمئة من حقيقة السلاح الذي كان يمتلكه الحسين طيلة حياته، فلو استطعنا أن نمتلك نصف السلاح الذي كان معه لتربَّعْنا على عرش المجد إلى الأبد.

الحسين(ع) عاش قبل بداية مؤشرات الثورة خمسة وخمسين عاماً لم يتساوى فيها يومان لأنه كان دائماً يقترب من الأفضل والأحسن، كان تاريخه مشرقاً وحياته نيّرة وكفه بيضاء وقلبه مفعماً بحب الله ونفسه مشحونة بحب الخير وموطَّنَة لخدمة عيال الله، كان سيداً في الدنيا وسيداً في الآخرة، كان بطلاً شجاعاً مقداماً منذ الصغر، وُلد معصوماً وعاش معصوماً واستُشهد على العصمة، وهذا يعني قمة الكمال على المستوى البشري، كان وجوده نادراً حيث حاز كل صفات الكمال وانتقل من حسن إلى أحسن وارتقى من فضلٍ إلى ما هو أفضل وصنع للبشرية ما لم يصنعه غيره وتفجرت على يديه ينابيع الخير المادي والمعنوي، كان صورة طبق الأصل عن جده الأعظم ليس بالشبه المادي بل بالشبه الديني والأخلاقي والرسالي.

كان وما زال ثالث أئمة الهدى، وخامس أهل الكسا، وسبط محمد المصطفى وابن علي المرتضى وفاطمة الزهرا، ورابع من باهل بهم سيد الورى كان وما زال سيد شباب أهل الجنة وعنواناً بارزاً من عناوين التقى، كان وما زال مصباح الهدى وسفينة النجاة، كان وما زال قائد الثورة العظمى، كان وما زال المجاهد في سبيل ربه وسبب بقاء الدين وأهله، كان وما زال الحسين الذي لمع إسمه في أرجاء الكون والذي استمر ذكره رغم محاولات محوه عبر التاريخ، فلقد تغنى المؤمنون منذ سنوات بقول شهير لأحد المشاهير في حق الحسين عندما قال فيه: تعلمت من الحسين بن علي كيف أكون مظلوماً فأنتصر: ولكن آن الأوان لنتغنى بقول مشابه لذلك ولكنه أدق منه وأشمل حيث استبدلت تلك العبارة بالعبارة التالية: تعلمت من الحسين بن علي كيف أكون على حق فأنتصر: إذ ليس كل مظلوم على حق وإن وجب رفع الظلم عنه.

فتاريخ الحسين ليس تاريخاً قتالياً فقط بل هو تاريخ جهادي بكل أنواع الجهاد، وتاريخ ديني وإنساني ورسالي وأخلاقي وعبادي.

لا أعني بذلك أن نلغي العَبرة التي كان لها دورٌ بارز في حفظ المعتقَد، بل هي صلة وصلٍ بيننا وبين من نحزن لحزنهم ونتأثر لحالهم، إن إلغاء العَبرة يعني إلغاء المشاعر الإنسانية من الوجود، وإلغاء الأحاسيس من داخل القلوب، بل أعني بكلامي أن نهتم بالعِبرة مثا اهتمامنا بالعَبرة إذ لا قيمة للعَبرة ما لم تصدر عن العِبرة، فعبادة العارف أفضل من عبادة الجاهل إذ لا يليق بالإنسان أن يعبد المجهول لديه، وليس من اللائق أن يبكي على ما يجهل، فالبكاء تارة يكون مجرداً، وتارة يكون ذا ثمرة وفائدة، بكاء الجاهل لا ينفع، أما بكاء العارف فإن له معنى أعمق من معنى الحزن، وأقل معنى من معاني البكاء على الحسين هو رفض الممارسات الظالمة التي تعاطى بها اليزيديون مع هذا الإمام الكريم.

لا ينبغي أن تقترن الثورة بمعنى الحزن المجرد، ولا يجوز أن نحصر مفهوم عاشوراء بالدمعة، ولا يجدر بنا أن ننظر إلى الثورة على أنها مصيبة أو كارثة، إذ لا يوجد كارثة في العالَم أثمرت ثمار الخير للبشرية كلها كما كان شأن الثورة الكربلائية.

لا يكفي أن نقضي هذه الليالي والأيام بالبكاء والنحيب ولعن الظالمين بل لا بد من العمل الجدي والتحرك الفعّال ومتابعة المسيرة التي شق الحسين طريقها بدمائه الزكية، ولا يليق بنا كأنصار للحسين في غيبته أن نقضي أوقاتنا باللطم على الخدود كما تصنع الثكلى الضعيفة، إن ثورة الحسين هي أهم مصدر من مصادر القوة وأكبر منبع من منابع العزة فنحن أقوياء وإن بكينا للمصاب، وبكاؤنا الحقيقي ليس دليل ضعف فينا بل هو دليل قوة العقيدة وصلابة الموقف وفهم الحقيقة كما يجب أن تُفهم، نحن نحزن لأننا فهمنا الحقيقة أكثر من غيرنا، نحن نحزن ونبكي لأن نفس بكائنا قد أرعب أعداء الله عبر التاريخ، فالذين واجهوا الظلم عبر التاريخ وحققوا الإنتصارات المميَّزة في الماضي البعيد والماضي القريب هم الذين بكوا على الإمام الحسين وانطلقوا من مدرسته العالمية.

من خلال بكائنا المثمر وحزننا الحقيقي استطعنا أن ندافع عن كرامة الأمة بعض أن أهدر أهلها كرامتها بجبنهم وتقاعصهم وخوفهم من العدو تارة وخوفهم على عروشهم تارة أخرى، الذين نظروا إلينا نظرة احتقار واتهمونا بالضعف بسبب هذا البكاء هم أول من باعوا كرامتهم للغير وجعلوا من أنفسهم عبيداً وأدوات لأعداء دينهم وأمتهم وشعوبهم.

بهذه الطريقة نعبّر عن حزننا وألمنا، وبهذه الطريقة نحافظ على وجودنا وديننا ونحفظ كرامتنا، وبالأساليب الحسينية نستطيع أن نواجه أخطر المواقف ونجتاز أكبر المحن، وبحب الحسين وصلنا وبحبه سوف نبلغ قمة السعادة في الدنيا والآخرة.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى